عبد القادر الجيلاني
215
السفينة القادرية
عليها ، والمعنى أنه مهموم ومكروب من عدم وصوله لمرامه ومطلبه وذلك أمر قضاه اللّه عليه فهو واقف بباب العفو يرجو كشف ذلك عنه . * « واعلم » * بأن الهم والحزن عند الأولياء ، والصوفية أصل لهم ، وحاصل بالتفكير في أهوال القيامة والخوف من حضرة الإطلاق التي يفعل اللّه فيها ما يشاء ولا أخوف منهم أحد بسبب المشاهدة الحاصلة لهم . وقوله : « ثلاثا » أي تكرره ثلاثا كما هي سنة الدعاء ، ثم قال : « أنا عاصيك ببابك » العصيان في اللغة مخالفة الأمر والنهي ، ومن شأن أهل الحقيقة أن يقدموا قبل سؤالهم وطلبهم الاعتراف بإساءتهم وأجرامهم وكونهم أهل لذلك وإن اللّه بضد ذلك رجاء الإجابة على أنهم رضي اللّه عنهم قد قهروا أنفسهم تحت مشاق التعبد ، وعند أهل الكمال أن مطلق الغفلة عن اللّه معصية ، قال أبو إسحاق الشاطبي « 1 » : في الموافقات قهر السلف رحمهم اللّه أنفسهم تحت مشاق التعبد وسووا بين الواجب والمندوب في طلب الفعل وبين المحرم والمكروه في طلب الترك وعدوا من لم يعمر أنفاسه بطالا . فمن قصر منهم في عمل مندوب أو ترك مكروها ، أو لم يعمر نفسا من أنفاسه بذكر اللّه عدّ نفسه عاصيا وحصل له الخوف العظيم ، والأصل لهم في هذا حديث الندامة يوم القيامة يندم المحسن أن لا يكون ازداد ويندم المسئ أن لا يكون نزع هذا وأن المعرفة بعيوب النفس ، والاعتراف بها داعية للأدب والانكسار وطريق إلى رحمة العزيز الجبار . قال الكناني « 2 » رضي اللّه عنه : لم يفتح اللّه لسان امرئ بالمعذرة إلّا فتح له باب المغفرة . وقال تاج الدين في الحكم : معصية
--> ( 1 ) هو إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي ، ومات رحمه اللّه سنة 790 ه . ( 2 ) هو يحيى بن عمر بن يوسف : الإمام شيخ المالكية أبو زكريا الكناني الأندلسي ، وكان له شهرة كبيرة بإفريقية ، وحمل عنه عدد كثير ، رحمه اللّه ، وقال أبو العباس الأبياني : ما رأيت مثل يحيى بن عمر في علمه وزهده ودعائه وبكائه . وسمع بإفريقية من سحنون وغيره . مات في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومئتين .